عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

124

اللباب في علوم الكتاب

ومفعول « يصدّون » محذوف أي : يصدّون النّاس ، ويجوز ألّا يقدر له مفعول . والمعنى : الّذين من شأنهم الصّدّ كقولهم : « هو يعطي ويمنع » . ومعنى « يصدّون » أي : يمنعون النّاس من قبول الدين الحقّ ، إمّا بالقهر ، وإمّا بسائر الحيل . ويجوز أن يكون « يصدّون » بمعنى يعرضون من : صدّ صدودا ، فيكون لازما . قوله : وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي بإلقاء الشكوك والشّبهات في دلائل الدّين الحق ، ثم قال : و بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ . وهذا يدلّ على فساد ما قاله القاضي من أنّ ذلك اللعن يعم الفاسق والكافر « 1 » . والعوج بكسر العين في الدّين والأمر وكلّ ما لم يكن قائما ، وبالفتح في كلّ ما كان قائما كالحائط والرّمح ونحوه . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 46 ] وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( 46 ) أي بين أصحاب الجنّة وأصحاب النّار ، وهذا هو الظّاهر كقوله : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ [ الحديد : 13 ] . وقيل : بين الجنّة والنّار ، وبه بدأ الزّمخشريّ . فإن قيل : وأي حاجة إلى ضرب هذا السّور بين الجنّة والنّار ، وقد ثبت أن الجنّة فوق والنّار في أسفل السّافلين ؟ . فالجواب : بعد إحداهما عن الأخرى لا يمنع أن يحصل بينهما سور وحجاب . قوله : « وعلى الأعراف » : قال الزّمخشريّ « 2 » : أي : وعلى أعراف الحجاب . قال القرطبيّ « 3 » : أعراف السّور وهي شرفه ، ومنه عرف الفرس وعرف الدّيك ، كأنّه جعل « أل » عوضا من الإضافة وهو مذهب كوفي ، وتقدّم تحقيقه . وجعل بعضهم نفس الأعراف هي نفس الحجاب المتقدم ذكره ، عبر عنه تارة بالحجاب ، وتارة بالأعراف . قال الواحديّ - ولم يذكر غيره - : « ولذلك عرّفت الأعراف ؛ لأنّه عني بها الحجاب » قاله ابن عباس . والأعراف : جمع عرف بضمّ العين ، وهو كلّ مرتفع من أرض وغيرها استعارة من عرف الدّيك ، وعرف الفرس .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 71 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 106 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 7 / 135 .